ابن الجوزي
307
صيد الخاطر
والهوى المتقاضي بالشهوات . فمنهم من يغلب بعد المجاهدات الطويلة فيعود إلى الشر ويختم له به ، ومنهم من يغلب تارة ويغلب أخرى فجراحاته لا في مقتل « 1 » . ومنهم من يقهره عدوه فيسجنه في حبس ، فلا يبقى للعدو من الحيلة الا الوساوس . ومن الصفوة أقوام مذ تيقظوا ما ناموا ، ومذ سلكوا ما وقفوا ، فهمهم صعود وترق ، كلما عبروا مقاما إلى مقام رأوا نقص ما كانوا فيه فاستغفروا . ومنهم من يرقى عن الاحتياج إلى مجاهدة إما لخسة ما يدعو إليه الطبع عنده ولا وقع له ، وإما لشرف مطلوبه فلا يلتفت إلى عائق عنه . واعلم أن الطريق الموصلة إلى الحق سبحانه ليست مما يقطع بالاقدام ، وانما يقطع بالقلوب . والشهوات العاجلة قطاع الطريق والسبيل كالليل المدلهم ، غير أن عين الموفق بصر فرس لأنه يرى في الظلمة كما يرى في الضوء والصدق في الطلب اينار « 2 » أين وجد يدل على الجادة ، وانما يتعثر من لم يخلص . وانما يمتنع الاخلاص ممن لا يراد . فلا حول ولا قوة إلا باللّه . 262 - لو عرفت مقدارك ما تكبرت عجبت لمن يعجب بصورته ، ويختال في مشيته ، وينسى مبدأ أمره . انما أوله لقمة ضمت إليها جرعة ماء ، فان شئت فقل كسرة خبز معها تمرات ، وقطعة من لحم ومذقة من لبن ، وجرعة من ماء ، ونحو ذلك طبخته الكبد فأخرجت منه قطرات منيّ ، فاستقرت في الأنثيين فحركتها الشهوة ، فصبت فبقيت في بطن الأم مدة حتى تكاملت صورتها فخرجت طفلا تتقلب في خرق البول . وأما آخره فإنه يلقى في التراب فيأكله الدود ويصير رفاتا تسفيه السوافي . وكم يخرج تراب بدنه من مكان إلى مكان آخر . ويقلب في أحوال إلى أن يعود فيجمع . هذا خبر البدن . انما الروح عليها العمل ، فان تجوهرت بالأدب ، وتقومت بالعلم ، وعرفت الصانع ، وقامت بحقه فما يضرها نقص المركب . وان هي بقيت على صفتها من الجهالة شابهت الطين بل صارت أخس حالة منه .
--> ( 1 ) أي في غير مقتل . ( 2 ) يريد أنه إنارة .